تعيش فرنسا بين العام الماضي وبداية هذا العام واحدة من أسوأ فترات علاقاتها مع بلدان المغرب العربي، وبالخصوص البلدان الثلاث، المغرب والجزائر وتونس، التي كانت تحظى باريس بنفوذ اقتصادي ودبلوماسي واسع في هذه البلدان منذ الحقبة الاستعمارية، قبل أن يُسَجل بداية تراجع كبير في هذا النفوذ لحساب بلدان أخرى.
وسجل ختام سنة 2022، لأول مرة، نهاية تصدر فرنسا للشراكة التجارية مع آخر بلد من دول المغرب العربي، ألا وهي تونس، حيث فقدت وصف "الشريك التجاري الأول لتونس" لصالح دولة أوروبية أخرى هي إيطاليا، وبالتالي لم تعد فرنسا الشريك التجاري الأول لأي بلد في المنطقة المغاربية، بعدما كانت لعقود تتصدر الشراكة التجارية مع المغرب والجزائر وتونس.
وفقدت فرنسا صدارة الشراكة التجارية مع المغرب والجزائر منذ عدة سنوات، حيث أصبحت إسبانيا هي الشريك التجاري الأول للرباط، في حين فقدت مركزها كشريك تجاري أول للجزائر في السنوات الأخيرة الماضية لحساب بلدان أخرى تتنافس على التوسع التجاري في المنطقة المغاربية كتركيا والصين.
وبالرغم من أن العلاقات التجارية والاستثمارات الفرنسية في البلدان الثلاث لازالت تسير بوتيرة تصاعدية، إلا أنها مقارنة بوتيرة بلدان، مثل إيطاليا وإسبانيا، إضافة إلى تركيا والصين وروسيا، فإن المقارنة تشير إلى أن باريس فقدت -ولازالت- رصيدا مهما من أهميتها التجارية لبلدان المغرب العربي.
وتشير العديد من التقارير الإعلامية، أن تشنج العلاقات السياسية بين باريس وبلدان المغرب العربي، تبقى من أبرز الأسباب التي أدت بفرنسا لفقدان الكثير من النفوذ الذي كانت تتمتع به في المنطقة المغاربية، وقد تزامنت هذه الأزمات الدبلوماسية فيما بينها، الأمر الذي يؤكد وجود خلل في العلاقات بين إدارة ماكرون وبلدان المغرب والجزائر وتونس.
وكانت العلاقات الفرنسية التونسية قد عاشت العديد من الأزمات بسبب بعض مواقف باريس من حكومة قيس سعيد التي لم تتقبلها الأخيرة، وطالبت من فرنسا عدم التدخل في شؤونها، بينما تكررت الأزمات في السنوات الأخيرة بين الجزائر وفرنسا حول العديد من القضايا المرتبطة بالإرث الاستعماري الفرنسي في الجزائر.
وزاد قرار فرنسا بفرض "عقوبات" على بلدان المغرب العربي الثلاث، متمثلة في تقييد منح التأشيرة لرعايا هذه البلدان، بدعوى عدم تعاون هذه البلدان مع باريس في حل بعض مشاكل المهاجرين غير النظاميين، الأمر الذي زاد من من تأزم العلاقات بين الطرفين، ولازالت العلاقات الدبلوماسية متأزمة بين باريس والرباط إلى حدود الساعة في قضايا لها امتداد بمشكل الهجرة، وقضايا أخرى من بينها قضية الصحراء المغربية.
كما أنه في الأيام الأخيرة، ظهرت بوادر أزمة دبلوماسية جديدة بين الجزائر وفرنسا، على خلفية "تهريب ناشطة حقوقية فرنسية من أصول جزائرية" جرى تهريبها من الجزائر نحو تونس ثم إلى فرنسا، وقد اتهمت الجزائر فرنسا بتهريبها بالرغم من أنها مطلوبة للقضاء الجزائري، ولهذا استدعت الجزائر سفيرها من فرنسا للتشاور.
وتشير هذه التطورات إلى وجود خلل وتخبط كبير في علاقات باريس مع بلدان المغرب العربي، وقد بدأت فرنسا في السنوات الأخيرة في دفع ثمنه على المستوى التجاري، وقد يتواصل هذا التخبط ليُنهي نفوذها على جميع الأصعدة، خاصة في ظل وجود منافسين أكثر رغبة في خلق علاقات متوازنة مع بلدان المغرب العربي، مثل الصين وتركيا وروسيا.
